ابن عجيبة
210
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
يقول الحق جل جلاله : كتب اللّه عَلَيْكُمْ أن توصوا للوالدين والأقربين إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ ، إِنْ تَرَكَ المستحضر خَيْراً أي : مالا ، قال سيدنا علىّ - كرم اللّه وجهه - : ( ألف درهم فصاعدا ، فلا وصية في أقل ) . وقال النخعي : ( خمسمائة درهم لا أقل ) . وقال الزّهرى : ( تجب فيما قل وكثر ) ، وعن عائشة - رضى اللّه عنها - : ( أن رجلا أراد أن يوصى ، فسألته : كم مالك ؟ فقال : ثلاثة آلاف . فقالت : كم عيالك ؟ فقال : أربعة ، فقالت : لا ، إنما قال اللّه تعالى إِنْ تَرَكَ خَيْراً وإن هذا لشئ يسير ، فاتركه لعيالك ) . وتكون تلك الوصية بِالْمَعْرُوفِ ، أي : بالعدل ، فلا يفضل الذكور ، ولا يتجاوز الثلث . قد حقّ اللّه ذلك حَقًّا واجبا عَلَى الْمُتَّقِينَ ، فمن غيّره من الأوصياء أو الشهود بَعْدَ ما سَمِعَهُ وعلمه ، فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ من الأوصياء أو الشهود ، لأنه هو الذي خالف الشرع وغيّر دون الميت ، إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ فلا يخفى عليه من بدّل أو غيّر ، فهو حسيبه ومعاقبه ، فَمَنْ خافَ أي : علم مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أي : ميلا بالخطأ في الوصية ، أَوْ إِثْماً تعمدا للجنف ، فَأَصْلَحَ بين الموصى لهم وبين الورثة ، بأن أجراهم على منهاج الشرع ، أو نقص للموصى لهم ، أو زاد لمصلحة رآها فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ؛ لأنه تبديل لمصلحة . والتبديل الذي فيه الإثم إنما هو تبديل الهوى ، إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فيغفر للمبدّل لمصلحة ويرحمه . وهذه الآية منسوخة في وصية الوالدين ، محكمة في الأقربين غير الوارثين ، بقوله - عليه الصلاة والسلام - في الحديث المشهور : « إنّ اللّه أعطى كلّ ذي حقّ حقّه . فلا وصيّة لوارث » ، فإذا كان الوالدان غير وارثين كالكافرين أو العبدين فهي محكمة ، واللّه تعالى أعلم . الإشارة : اعلم أن المريد إذا منع نفسه من الشهوات ، وحفظ قلبه من الخطرات ، وصان سره من الغفلات - وأعظم الشهوات حبّ الرئاسة والجاه ، فإذا قتل نفسه ونزل بها إلى السّفليات حتى حضرها الموت ، وانقطع عنها الخواطر والخيالات - فإنها تفيض بالعلوم والواردات ، فالواجب من طريق الجزم أن يقيد تلك العلوم ، أو يوصى من يقيدها لينتفع بها الوالدان وهما الأشياخ ، والأقربون وهم الإخوان . فإن الحكمة ترد في حال التجلي كالجبل ، فإن لم يقيدها وأهملها رجعت كالجمل ، فإن أهملها رجعت كالكبش ، فإن أهملها رجعت كالطير ، ثم ترجع كالبيضة ثم تذهب . هكذا كان يقول شيخ شيوخنا سيدي على الجمل رضي اللّه عنه ، وكان شيخه سيدي العربي بن عبد اللّه يقول له : ( إن ورد عليك وارد فقيّده وأعطني منه نسخة ) . وهكذا كان أشياخنا يأمروننا بتقييد الواردات ، فمن قيّد واردا